زكي مبارك
72
عبقرية الشريف الرضي
جعلوا وصف الحزن من الشرائع الانسانية ، والحزن لا يكون دائما صفة سلبية كما يتوهم بعض الناس ، فهو حين يسمو يكون دليلا على عافية القلب وسلامة الروح ، ولا يحزن حق الحزن إلا الأصحاء . إن الحزن العنيف هو الشاهد على قوة شعورنا بما نفقد ، وهو الدليل على أننا نحاول العظائم فنطلب الخلود لكل ما تصطفي أرواحنا في عالم المحسوس والمعقول . وما كان الشريف يبكي أحبابه مرة واحدة ثم يلوذ بالصمت ، لا ، وإنما كان يصل أحبابه بالذكرى والحنين فلا يفقد منهم غير الوجود الملموس ، فطريق الحج على طوله في تلك العهود كان يمثل للشريف أمما كثيرة من عوالم الأحياء والأموات ، ولعل ظهور الخيل لم تعرف فتى أقوى شاعرية من ذلك الفتى البكاء ، والفرح والترح يفيضان من ينبوع واحد ، لو تعلمون . ومن عجائب ما وقفت عليه أن الناس كانوا يسألون الشريف أن يبكي موتاهم فيجيب ، والشجى يبعث الشجى ، والدنيا عند الحزين كلها قبر مالك ( 1 ) . أليس من العجيب أن يسأل الشريف بكاء ميت لا يعنيه فيقول : ألا مخبر فيما يقول جلية * يزيل بها الشك المريب يقين أسائله عن غائب كيف حاله * ومن نزل الغبراء كيف يكون وما كنت أخشى من زماني أنني * أرق على ضرائه وألين
--> ( 1 ) إشارة إلى أبيات متمم بن نويرة .